أبي منصور الماتريدي
31
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - بالأولى ، لو نوى نهارا . وقال ابن جزى : من كان في سفر ، فأصبح على نية الصوم ، لم يجز له الفطر إلا بعذر ، كالتغذى للقاء العدو ، وأجازه مطرف من غير عذر ، وعلى المشهور : إن أفطر ، ففي وجوب الكفارة ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث بين أن يفطر بجماع فتجب ، أو بغيره فلا تجب . لكن الذي في ( شرح خليل ) ، وفي ( حاشية الدسوقي ) : أنه إذا بيت نية الصوم في السفر وأصبح صائما فيه ثم أفطر ، لزمته الكفارة سواء أفطر متأولا أم لا . فسأل سحنون ابن القاسم ، عن الفرق بين من بيت الصوم في الحضر ثم أفطر بعد أن سافر بعد الفجر من غير أن ينويه فلا كفارة عليه ، وبين من نوى الصوم في السفر ثم أفطر فعليه الكفارة ؟ فقال : لأن الحاضر من أهل الصوم ، فسافر فصار من أهل الفطر ؛ فسقطت عنه الكفارة ، والمسافر مخير فيهما ، فاختار الصوم وترك الرخصة ، فصار من أهل الصيام ، فعليه ما عليهم من الكفارة . والشافعية في المذهب ، والحنابلة قالوا : لو أصبح صائما في السفر ، ثم أراد الفطر ، جاز من غير عذر ؛ لأن العذر قائم - وهو السفر - أو لدوام العذر - كما يقول المحلى . ومما استدلوا به حديث ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - : « . . . فصام حتى مر بغدير في الطريق » ، وحديث جابر - رضى الله تعالى عنه - : « . . . فصام حتى بلغ كراع الغميم » قال ابن قدامة : وهذا نص صريح ، لا يعرج على ما خالفه . قال النووي : وفيه احتمال لإمام الحرمين ، وصاحب ( المهذب ) : أنه لا يجوز ؛ لأنه دخل في فرض المقيم ، فلا يجوز له الترخص برخصة المسافر ، كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ، ثم أراد أن يقصر ، وإذا قلنا بالمذهب ، ففي كراهة الفطر وجهان ، وأصحهما : أنه لا يلزمه ذلك ، للحديث الصحيح أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فعل ذلك . وزاد الحنابلة : أن له الفطر بما شاء ، من جماع وغيره ، كأكل وشرب ؛ لأن من أبيح له الأكل أبيح له الجماع ، كمن لم ينو ، ولا كفارة عليه بالوطء ؛ لحصول الفطر بالنية قبل الجماع ، فيقع الجماع بعده . هذا وتسقط رخصة السفر بأمرين اتفاقا : الأول : إذا عاد المسافر إلى بلده ، ودخل وطنه ، وهو محل إقامته ، ولو كان دخوله بشيء نسيه ، يجب عليه الصوم ، كما لو قدم ليلا ، أو قدم قبل نصف النهار عند الحنفية . أما لو قدم نهارا ، ولم ينو الصوم ليلا ، أو قدم بعد نصف النهار - عند الحنفية ، ولم يكن نوى الصوم قبلا - فإنه يمسك بقية النهار ، على خلاف وتفصيل في وجوب إمساكه . الثاني : إذا نوى المسافر الإقامة مطلقا ، أو مدة الإقامة التي تقدمت في شروط جواز فطر المسافر في مكان واحد ، وكان المكان صالحا للإقامة ، لا كالسفينة والمفازة ودار الحرب فإنه يصير مقيما بذلك ، فيتم الصلاة ، ويصوم ولا يفطر في رمضان ؛ لانقطاع حكم السفر . وصرحوا بأنه يحرم عليه الفطر - على الصحيح - لزوال العذر ، وفي قول يجوز له الفطر ؛ اعتبارا بأول اليوم . قال ابن جزى : إن السفر لا يبيح قصرا ولا فطرا إلا بالنية والفعل ، بخلاف الإقامة ؛ فإنها توجب الصوم والإتمام بالنية دون الفعل . وإذا لم ينو الإقامة لكنه أقام لقضاء حاجة له ، بلا نية إقامة ، ولا يدرى متى تنقضى ، أو كان يتوقع انقضاءها في كل وقت - فإنه يجوز له أن يفطر ، كما يقصر الصلاة . قال الحنفية : ولو بقي على ذلك سنين . فإن ظن أنها لا تنقضى إلا فوق أربعة أيام عند الجمهور ، أو خمسة عشر يوما عند الحنفية ، فإنه يعتبر مقيما ؛ فلا يفطر ولا يقصر ، إلا إذا كان الفرض قتالا - كما قال الغزالي - فإنه يترخص على أظهر القولين ، أو دخل المسلمون أرض الحرب أو حاصروا حصنا فيها ، أو كانت المحاصرة للمصر على سطح البحر ، فإن لسطح البحر حكم دار الحرب . ودليل هذا أنه صلى اللّه عليه وسلم أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ، ويلاحظ أن الفطر كالقصر الذي نصوا عليه في صلاة المسافر ، من حيث الترخص ، فإن المسافر له سائر رخص السفر . -